عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

11

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

مقدّمة اعلم أن مطلب ذوي العقول الكاملة ، والنفوس الفاضلة ، نيل السعادة القصوى ، التي معناها الحياة الدائمة في الملأ الأعلى ، ومشاهدة أنوار حضرة قدس المولى ، والتلذّذ بمطالعة الجمال الإلهي الأسنى ، ومعاينة مطالع النور القدسي الأبهى ، وهذه السعادة لا تحصل إلا لنفس زكيّة ، قد سبقت لها في الأول العناية الربانية ، بتيسيرها لسلوك الطرق العلمية والعملية ، المفضيات بها إلى المحبة الحقيقية ، والشوق إلى الأنوار الإلهية . وبحصول هذه السعادة تحصل للنفوس العارفة من اللذّة والابتهاج ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . وإذا تقرّر ما قلناه فيجب على كلّ ذي لبّ المبادرة إلى حصول هذا الأمر الجليل ، وورود هذا المورد السلسبيل ، الذي لم يصل إليه من الناس إلا القليل ، بل أقلّ من القليل ، فإن هذه السعادة هي المطلوب من هذا الوجود ، وغاية لذّة العقول ، والمعنى الأشرف المقصود ، ولا يدرك بمجرّد الحواسّ الظاهرة ولا بقوى الجسم الباطنة المركّبة فيه ، فإنها لا تدرك إلا المحسوسات ولا تلتذّ إلا بها ، ولذّات المحسوسات بائنة منقطعة عن قريب وهي مع ذلك حجاب في الذهاب عن اللّه تعالى وعن العالم العلوي ، وإنّما تدرك هذه السعادة وتلتذّ بها النفوس الفاضلة ، ذوات الإدراكات الكاملة ، بما قرّرناه ، فإنها من جنس العالم الأعلى وأنموذج منه ، وقد خلقت فيها أهلية الاتصال به ، ولكن لا يمكنها ذلك ما دامت عاشقة للذّات العالم الأسفل مقبلة بكليّتها عليه ، فإن ذلك يوجب إعراضها عن العالم العلوي ، إذ عشق هذه الأجسام وشهواتها البهيمية صارف عن اللذّات الملكية الباقية في دار